عندما نتحدث عن الحق في الولادة الطبيعية في مصر، سرعان ما يتضح لنا أنه ليس حقًا متاحًا للجميع على قدم المساواة، بل أقرب إلى امتياز تحكمه عوامل متعددة مثل الطبقة، والموقع الجغرافي، والقدرة الاقتصادية، والهوية الاجتماعية. فالنساء في الريف يواجهنّ ظروفًا تختلف تمامًا عن نساء الحضر، ونساء القاهرة الكبرى لا يعشنّ السياقات نفسها التي تواجهها النساء في المحافظات البعيدة. بل إن داخل كل محافظة أيضًا تتباين الأوضاع بحسب درجة التضخم، وارتفاع الأسعار، ومدى القدرة على الحصول على مكملات غذائية وفيتامينات ضرورية للحمل، فضلًا عن تفاوت آثار التغير المناخي من منطقة إلى أخرى.
تلعب العادات والتقاليد دورًا محوريًا في تشكيل التجربة الإنجابية للنساء، حيث تتدخل العائلة الممتدة في كثير من الأحيان في خيارات النساء، ويتم الاستهانة بآلامها وشكاواها باعتبارها “مبالغة” أو “دلع”. ويظل القرار في نهاية المطاف في يد رجال العائلة، وخاصة أسرة الزوج، في ظل بنية أبوية مترسخة.
هذا التفاوت يظهر بوضوح في نسب الولادات القيصرية والولادات الطبيعية. فبينما ترتفع نسب القيصرية في المراكز الحضرية والمستشفيات الخاصة حيث تشكّل أكثر من 63% من إجمالي الولادات في مصر عام 2022 (إحدى أعلى النسب عالميًا مقارنة بالتوصية الدولية 10–15%) نجد أن بعض القرى ما زالت تحافظ على الولادة الطبيعية، ولكن غالبًا على يد “دايات”، نظرًا لغياب مراكز صحية مجهّزة أو بسبب التكلفة الباهظة للعمليات القيصرية.
وفي هذا السياق، ترتبط اختيارات النساء بشكل مباشر بالمنطقة الجغرافية والوضع الاقتصادي والاجتماعي ومستوى التغير المناخي؛ حيث ما زال معدل وفيات الأمهات في مصر يصل إلى نحو 37 حالة وفاة لكل 100,000 ولادة حية (2020)، وهو معدل يرتفع أكثر في الريف والصعيد مقارنة بالمناطق الحضرية. هكذا، قد يبدو أن بعض النساء اخترنّ الولادة الطبيعية في مناطق نائية، لكن هذا الاختيار لا ينبع من حرية حقيقية، بل من غياب أبسط الاحتياجات الطبية اللازمة التي قد تنقذ حياتهنّ في حال تعثرت الولادة.
وإذا أضفنا إلى هذه الصورة وضع النساء ذوات الاحتياجات الخاصة أو اللاجئات، تتضح أكثر أشكال التهميش المركّب. فالنساء ذوات الاحتياجات الخاصة يواجهنّ تحديات مضاعفة في متابعة الحمل والولادة؛ بدايةً من صعوبة الوصول المادي إلى المستشفيات وغياب التجهيزات الملائمة، مرورًا بنظرة تنميطية تجعلهنّ عرضة للتمييز من الكوادر الطبية ذاتها، وصولًا إلى ضعف السياسات الصحية التي تراعي احتياجاتهنّ الخاصة. وفي مصر، تُظهر الدراسات أن نسبة حصول النساء ذوات الاحتياجات الخاصة على خدمات الصحة الإنجابية أقل بكثير من غيرهنّ، وأنهنّ أكثر عرضة للإهمال الطبي أو فرض قرارات على أجسادهنّ دون موافقتهنّ الكاملة.
أما اللاجئات سواء من السودان أو سوريا أو غيرها فيواجهنّ تحديات مرتبطة بالهشاشة الاقتصادية وانعدام الحماية القانونية، ما يجعلهنّ مضطرات في كثير من الأحيان للجوء إلى ولادات غير آمنة في ظروف معيشية قاسية. ويؤكد تقرير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن اللاجئات في مصر يواجهنّ صعوبات كبيرة في تغطية تكاليف الولادة، إذ تصل تكلفة الولادة القيصرية في بعض المستشفيات الخاصة إلى ما يعادل عدة أشهر من دخل الأسرة، مما يدفع كثيرات للجوء إلى حلول أقل أمانًا. هذا بالإضافة إلى التعرض لممارسات تمييزية أو عنصرية في بعض المراكز الصحية، ما يزيد من عزلتهنّ ويضاعف من المخاطر على حياتهنّ وحياة أطفالهنّ.
في هذه الحالات، يصبح الحق في الولادة الطبيعية أو حتى في ولادة آمنة من الأساس امتيازًا بعيد المنال، حيث تتقاطع الطبقة، والجغرافيا، والإعاقة، ووضع اللجوء لتحدد أي النساء يمكن أن يتمتعنّ بحقوق أساسية، وأيهنّ يتم استبعادهنّ من أبسط أشكال الحماية والرعاية.
نحو عدالة إنجابية: توصيات لضمان الحق في الولادة الطبيعية
بعد استعراض العوامل الاقتصادية والمناخية والاجتماعية التي تعيد تشكيل واقع الولادة الطبيعية في مصر، ينبغي على الدولة أن تضع النساء في قلب تدخلاتها المرتبطة بالصحة العامة، لا بالتعامل معهنّ كأدوات لتحقيق أهداف ديموغرافية مرتبطة بالتحكم في معدلات الإنجاب، بل باعتبارهنّ أصحاب حقوق في الصحة الجسدية والإنجابية والجنسية. ويصبح من الضروري الانتقال إلى توصيات عملية تضمن للنساء هذا الحق كجزء من العدالة الجندرية.
ولضمان أن تتحول الولادة الطبيعية إلى حق فعلي لجميع النساء، نوصي بما يلي:
1. ضمان إتاحة الولادة الطبيعية كخيار حقيقي وآمن:
بما يتسق مع المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تنص على حق كل شخص في التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه، يجب على الدولة تطوير البنية التحتية الصحية في المستشفيات العامة والخاصة، وتدريب الكوادر الطبية على الممارسات الآمنة والحديثة في الولادة الطبيعية.
2. توفير تغذية ورعاية صحية متكاملة للأمهات الحوامل:
انسجامًا مع المادة 12 من اتفاقية سيداو، التي تنص على توفير “التغذية الكافية أثناء الحمل والرضاعة”، يجب أن تلتزم الدولة بتوفير مكملات غذائية وفيتامينات أساسية بشكل مدعوم، بما يضمن صحة النساء والمواليد ويخفف الأعباء الاقتصادية عن الأسر.
3. تعزيز الرقابة على المؤسسات الطبية الخاصة:
بالاستناد إلى التعليق العام رقم 22 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي يشدد على عدم التمييز في الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية، يجب على الدولة أن تضع آليات رقابية فعّالة لضمان التزام المستشفيات الخاصة بالحد من الولادات القيصرية غير الضرورية، وحماية النساء من الاستغلال المالي.
4. حماية النساء الأكثر تهميشًا:
انسجامًا مع مبادئ اتفاقية سيداو في عدم التمييز، يجب وضع سياسات خاصة تراعي أوضاع النساء في المناطق الريفية، والنساء ذوات الإعاقة، واللاجئات، وضمان وصولهنّ إلى خدمات صحية آمنة ومجانية أو منخفضة التكلفة، بما يشمل الرعاية أثناء الحمل والولادة.
5. تمكين المجتمع المدني من المشاركة:
في ضوء مؤتمر القاهرة الدولي للسكان والتنمية (1994)، الذي أكد على دور المجتمعات المحلية في تعزيز الصحة الإنجابية، يجب على الدولة أن تسمح للمؤسسات الأهلية بالقيام بدورها في رفع وعي النساء والكوادر الطبية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، دون تضييق أو تقييد.
6. التصدي للتمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي في المجال الطبي:
بما يتسق مع المادة 12 من سيداو التي تلزم الدول بضمان خدمات صحية خالية من التمييز، يجب أن تشمل سياسات الصحة الإنجابية تدريب الأطباء والكوادر الصحية على التعامل مع النساء بحساسية جندرية، وإنهاء الممارسات العنيفة أو المُهينة بحق النساء أثناء الحمل والولادة.
إن ضمان ولادة طبيعية آمنة ليس مجرد قضية صحية، بل هي قضية عدالة اجتماعية وحقوق إنسانية؛ فإذا لم تُرفع عن النساء العوائق الاقتصادية والتمييزية والمناخية التي تقيّد خياراتهنّ، ستظل الولادة الطبيعية امتيازًا للبعض، وليس حقًا مكفولاً لجميع النساء.