تعرب المؤسسات والمجموعات الموقعة أدناه، عن قلق بالغ إزاء أنماط التغطية الإعلامية التي صاحبت مؤخرًا واقعة التحرش بإحدى الفتيات داخل وسيلة نقل عام، وما سبقها من تغطيات مشابهة لوقائع عنف ضد النساء والفتيات في المجالين الخاص والعام، والتي كشفت عن ممارسات إعلامية لا تكتفي بالابتعاد عن المعايير المهنية، بل تسهم في إعادة مساءلة الضحايا وتبرير العنف والتشكيك فيه، بما يقوض حق النساء في الحماية والعدالة.
وترى المؤسسات والمجموعات الموقعة أن بعض المعالجات الإعلامية اعتمدت على عناوين وصياغات قائمة على الإثارة أو التشكيك في روايات الضحايا، أو إبراز تفاصيل شخصية غير مرتبطة بالفعل محل الواقعة، عبر عناوين تلمّح إلى “الحالة النفسية” للضحية، بما يحول الجريمة من انتهاك يستوجب المساءلة إلى مادة للجدل المجتمعي ومحاكمات إعلامية موازية تُخضع الضحايا للتشهير والتشكيك العلني.
أن هذه الواقعة لا تمثّل استثناءً، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التغطيات الإعلامية المصاحبة لجرائم وانتهاكات ضد النساء والفتيات خلال السنوات الأخيرة، والتي عكست في كثير من الأحيان ممارسات تبتعد عن المعايير المهنية والأخلاقية، وتسهم في تضليل الرأي العام، أو التقليل من خطورة العنف، أو تبريره بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
كما نؤكد على أن الممارسات المشار إليها لا تندرج تحت حرية التعبير أو حق الجمهور في المعرفة، بل تمثل إخلالًا جسيمًا بأخلاقيات المهنة، وتسهم في ترهيب الضحايا والناجيات، وتكريس ثقافة لوم النساء، وتطبيع العنف ضدهن، بما يؤدي إلى تثبيط الضحايا والناجيات عن الإبلاغ، وتقويض الثقة في منظومات الحماية والعدالة.
وتؤكد المؤسسات والمجموعات الموقعة أن وسائل الإعلام لا تقتصر وظيفتها على نقل الوقائع، بل تلعب دورًا محوريًا في تشكيل إدراك المجتمع للعنف وحدود قبوله أو رفضه، وأن التغطيات غير المسؤولة تُمثل عاملًا مباشرًا في إعادة إنتاج العنف وترسيخ ثقافة الإفلات من المساءلة.
وفي هذا السياق، تشير مواثيق الشرف الصحفي والإعلامي في مصر، في مبادئها العامة وعلى رأسها ميثاق الشرف الصحفي الصادر عن نقابة الصحفيين وميثاق الشرف الإعلامي الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إلى الالتزام بالدقة وتحري الحقيقة، واحترام الخصوصية والكرامة الإنسانية، وعدم نشر خطاب يحرض على التمييز أو العنف. كما يؤكد قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 على التزام المؤسسات الإعلامية بحماية حقوق الأفراد ومنع نشر محتوى ينتهك الكرامة الإنسانية.
وترى المؤسسات والمجموعات الموقعة أن الممارسات الإعلامية الراهنة تكشف عن فجوة واضحة بين هذه الأطر التنظيمية والتطبيق العملي، خاصة في التناول الإعلامي لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو ما يستدعي تطوير معايير أكثر تخصصًا تراعي حساسية هذه القضايا باعتبارها انتهاكات لحقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، تشدد المؤسسات والمجموعات الموقعة على:
ضرورة تبني معايير تحريرية تراعي النوع الاجتماعي، بما يشمل حماية هوية الضحايا والناجيات، وتجنب اللغة التنميطية أو الوصم، والتركيز على الفعل الإجرامي بدلًا من مساءلة الضحية أو التشكيك في روايتها.
كما ندعو الجهات التنظيمية للإعلام والجهات الوطنية المعنية بحماية حقوق النساء إلى اتخاذ إجراءات واضحة وفعالة لضمان التزام المؤسسات الإعلامية بالمعايير المهنية، بما يشمل تطوير الأدلة الإرشادية، وتفعيل آليات المساءلة المهنية، وإعداد مدونة سلوك متخصصة لتغطية قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.
يؤكد الموقعون على أهمية اضطلاع الجهات الوطنية المعنية بقضايا النساء بدور أكثر فاعلية في رصد الخطاب الإعلامي المرتبط بالعنف ضد النساء، والعمل على تطوير سياسات واستراتيجيات توجيهية تعزز الإعلام المسؤول وتدعم حماية الضحايا والناجيات.
إن استمرار هذه الممارسات الإعلامية لا يمثل فقط إخلالًا بالمعايير المهنية، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لجهود مواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي في المجتمع.
المؤسسات والمجموعات الموقعة:
مؤسسة براح آمن.
مجموعة صوت لدعم حقوق المرأة SOUT.
مؤسسة مصريين بلا حدود للتنمية.
مبادرة جندريست.
مبادرة منارة.
مؤسسة المرأة الجديدة.
مجموعة مؤنث سالم.
مبادرة حراك.
مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة.
مجموعة سوبروومن.
مؤسسة سند للدعم القانوني للنساء.