تأنيث الأخلاق وتسييس الرقابة

Llll (2)

صدرت هذه الدراسة ضمن مخرجات برنامج وجائزة مي جمال للبحث النسوي
من إعداد الباحثة: رحمة سامي

المقدمة
تُعد قضية “فتيات تيك توك” نقطة مفصلية لفهم كيفية اشتباك الدولة المصرية والمجتمع مع ظهور النساء في الفضاء الرقمي، خصوصًا حين ينتمين إلى طبقات اجتماعية مُهمشة. لم تُعامل هذه القضية باعتبارها مجرد جدل حول “محتوى ترفيهي”، بل جرى تحويلها إلى ساحة لإعادة إنتاج السلطة الأخلاقية، من خلال تأنيث المعايير القيمية وتوجيهها نحو أجساد النساء وخياراتهن الرقمية. تكشف محاكمة فتيات مثل حنين حسام ومودة الأدهم عن أن الدولة لا تُجرم السلوك ذاته بقدر ما تُجرم الجسد الذي يُنتجه، وهو ما يتضح في التركيز على فيديوهات الرقص باعتبارها “أدلة” رغم أنها لا تشكل جريمة قانونية واضحة، لكنها تُحمل دلالات أخلاقية حين تصدر عن نساء غير متوافقات مع الشخصية الرقمية الذي يحاول المجتمع ضبطها للنساء.
تظهر هذه القضية أيضًا كيف يعمل الخطاب القانوني جنبًا إلى جنب مع الرقابة المجتمعية لتشكيل مناخ متكامل للضبط. فالتحقيقات لم تبدأ بناءً على بلاغات رسمية، بل انطلقت من موجات تحريض إلكترونية وهجوم جماعي ضد الفتيات، وهو ما أضفى على الرأي العام دورًا رقابيًا يُكمل سلطة النيابة العامة.
كما تُبرز القضية بوضوح البُعد الطبقي في الملاحقات. ففي حين أثارت وقائع مشابهة لنساء من الطبقات الوسطى والعليا – مثل حادثة فستان رانيا يوسف – جدلًا إعلاميًا، إلا أنها لم تُترجم إلى عقوبات. في المقابل، تم التعامل مع فتيات “تيك توك” باعتبارهن تهديدًا للنظام الأخلاقي والاجتماعي، ما يعكس أن أشد أشكال الرقابة تُفرض حين تُخترق الحدود الطبقية عبر الكسب الرقمي السريع. وبذلك، تكشف هذه القضية عن كيفية استخدام الدولة للأخلاق كأداة لإعادة إنتاج الهرم الاجتماعي، ولحماية قيم أبوية ترى أن صعود امرأة من الطبقات الأكثر فقرا، ولو عبر محتوى رقمي، يُمثل تهديدًا يجب احتواؤه.
من ثم، تنطلق هذه الدراسة من سؤال رئيسي: كيف تشكلت الرقابة الأخلاقية على النساء في قضية فتيات تيك توك عبر تفاعل الجندر والطبقة وسياسات الدولة؟
وتسعى إلى تحليل هذا السؤال من خلال منهج نوعي يعتمد على مقابلات مع أحد أعضاء فريق الدفاع، وتحليل نصوص الاتهام والمرافعات، وربطها بخطاب الإعلام والرأي العام، بهدف الكشف عن العلاقة بين السلطة الأخلاقية وآليات الضبط الاجتماعي، وكيف تُعيد هذه الآليات تشكيل وجود النساء في المجال الرقمي.

عن برنامج وجائزة مي جمال

أُطلقت مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة الجائزة عام 2024 لدعم الباحثات والناشطات النسويات الشابات، وتعزيز قدراتهن البحثية لإنتاج معرفةٍ نسويةٍ نقديةٍ تمتد عبر الأجيال وتوثّق لقضايا وأصوات النساء. قدم البرنامج تدريبًا أكاديميًا مكثفًا امتد لـ17 جلسة بإجمالي 36 ساعة تدريبية، وتضمن جلسات جماعية لمناقشة منهجيات البحث من منظورٍ نسوي، وجلسات إرشادية فردية لتطوير مهارات المشاركات ومتابعة أبحاثهن حتى اكتمالها. وخلال الدورة الأولى تمكنت الباحثات من إنتاج ثماني أوراق بحثية برؤيةٍ حقوقيةٍ نسويةٍ تعبّر عن وعيٍ نقديٍ متجدد.
تأتي هذه الجائزة تخليدًا لذكرى الناشطة النسوية المصرية مي جمال، التي رحلت في نوفمبر 2023، بعد مسيرةٍ حافلةٍ في الدفاع عن حقوق النساء ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، واستمرارًا لحلمها في بناء جيلٍ جديدٍ من الباحثات النسويات المؤمنات بقوة الكلمة والمعرفة في إحداث التغيير.

للاطلاع على الدراسة كاملةتأنيث الأخلاق وتسييس الرقابة1 (1)

ذات صلة