عندما تتسع المساحات الرقمية لتحتوي على تريليونات البيانات والمعلومات، فإنها تضيق أمام امرأة واحدة حتى تُصبح كـ ثقب الإبرة.
الإنترنت الذي قُدِّم لنا بوصفه أكثر الفضاءات حريةً وأمانًا، يصبح يوم بعد يوم مساحة خانقة للنساء والفتيات، لا سيّما للفاعلات منهنّ في المجال العام، اللواتي يقرّرن أن يكنّ مرئيات، أن يمتلكن صوتًا، أو أن يضعن أقدامهن في ساحةٍ كانت وما زالت تُكتب بأصابع ذكورية.
الفضاء الذي وُعدنا فيه بحرية التعبير، تحوّل إلى ساحةٍ جماعية لتكميم أصوات النساء، عبر التنمّر، والتشهير، والابتزاز، والملاحقة الأخلاقية تمارس فيه السيطرة عبر ثقافة رقمية جمعية يُشارك فيها آلاف المستخدمين الذين يراقبون النساء، ويُحاسبونهنّ كلّما تجاوزن الحدود التي رسمها المجتمع لصورتهنّ المقبولة.
• من “مجرد ارتباك” إلى محاكمة علنية
أمس، تحوّلت لحظة ارتباك للنائبة إيفا ماهر أثناء تلاوة القسم الدستوري إلى عاصفة من السخرية على مواقع التواصل. انهالت التعليقات التي لم تكتفِ بالاستهزاء من اللحظة، بل ربطت الارتباك بكونها امرأة، وتناولت مظهرها ولباسها وكأن الأنوثة خطأ يستحق العقاب. المفارقة أن مواقف مشابهة حدثت مع رجال في جلسات سابقة، ولم تلقَ سوى مرور عابر.
ما حدث يوضح كيفية تحويل كل حضور نسائي في المجال العام إلى اختبار قاسٍ ومُضني، تُحاكم فيه المرأة على كونها مرئية قبل أي شيء آخر.
• هجمات ممنهجة تُعيد إنتاج السيطرة
وفي نفس الثقب، واجهت النائبة مها عبد الناصر حملة رقمية منظّمة بعد مطالبتها بالتحقيق في مزاعم نُشرت بأحد المواقع الصحفية بحق قيادة حزبية نسائية. لم تكن الهجمة على مضمون موقفها، بل على «جرأتها» وتجاوزها حدود الصمت.
• يكفي اني تكوني علي صلة..
ابنة الطبيبة هبة قطب لم تقل شيئًا. لم تفعل شيئًا فقط عبرت عن فرحتها. يكفي أنها ابنة امرأة طبيبية جريئة مثيرة للجدل لتتحول إلى هدف للسخرية والتنمر.، هكذا يعمل النظام الاجتماعي الرقمي: لا يحتاج إلى مبرر، يكفي أن تكوني امرأة لها صلة بامرأة أخرى تمارس حضورًا عامًا، لتدخلي ثقب الإبرة.
• الصحفية التي كشفت الضوء وتعرّضت له
الصحفية آية ياسر التي قررت فضح مجموعات تليغرام تتعمد نشر صور مفبركة ومعلومات شخصية عن النساء،واجهت هي نفسها حملات تشهير من ذات النوع. كأنّ قول الحقيقة عن العنف ضد النساء هو جريمة مضاعفة، تُعاقب صاحبتها مرتين: مرة لأنها تحدثت، ومرة لأنها أنثى.
كيف يتضاعف #العنف_الرقمي مع النوع الاجتماعي وكيف يمكن مواجهته؟
• نمط يتكرر كل مرة:
كلّما تحرّكت امرأة في فضاء عام، تُستدعى الجموع لإعادتها إلى مقعدها الاجتماعي عبر الوصم والسخرية والتهديد.
حين ظهر الإنترنت، ظنّت النساء أنّه فضاء يتيح لهنّ الوجود بحرية،
فضاء لا يُقاطعهنّ أحد حين يتحدثن، ولا تُلاحقهنّ النظرات أو الصفارات.
لكن سرعان ما اكتشفن أن الفضاء الرقمي امتدادٌ للعالم الواقعي، يحملُ معه ذات البنية الأبوية.
• العنف الرقمي لا يوزَّع بالتساوي.
يتضاعف عندما تتقاطع النوع الاجتماعي مع الهوية السياسية، أو الانتماء الطبقي، أو الموقع الجغرافي، او حتى الوظيفة والقدرة على الوصول والتأثير
فالناشطات النسويات، والصحفيات، والنقابيات، وغيرهن وغيرهن اللواتي يكتبن من منظور حقوقي نسوي، والسياسيات اللاتي يمتلكن مواقف مختلفة — كلهنّ أهدافٌ سهلة في بيئةٍ ترى في المرأة الجريئة تهديدًا شخصيًا.
وإذا كانت العاصمة، مركز الضوء، تشهد حملات اغتيال معنوي وعنف الكتروني ضد فاعلات معروفات، فماذا عن النساء في المحافظات المهمشة أو وجه قبلي؟
فكم من امرأة قررت الصمت أو إغلاق حسابها لأنّها لم تحتمل كمّ الشتائم والاتهامات الأخلاقية؟
وكم مرة تتحول زلة أو صورة أو جملة إلى محاكمة إلكترونية،
وكم من النساء بدءن في مراقبة ذواتهن، وقللن الظهور،
وهذا بالضبط جوهر الاغتيال المعنوي
أن تُجبر المرأة على الانسحاب الطوعي،
فتبدو وكأنها اختارت الصمت، بينما الحقيقة أنّها أُجبرت عليه تحت سيلٍ من العنف غير المرئي.
• ما العمل؟
الردّ لا يكون فقط عبر حملات تضامن لحظية،
بل ببناء وعي جمعي يربط بين هذه الوقائع كأشكالٍ من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
يجب أن نُسائل المنصات التي تسمح بخطاب الكراهية،
وأن نحمي بعضنا البعض بالشبكات الآمنة والمناصرة القانونية.
لكن قبل كل شيء، يجب أن نعيد تعريف الشجاعة:
الشجاعة ليست في تحمّل الشتائم، بل في رفض أن يكون العنف «قدراً رقمياً» على النساء، أو نظل قابعين في ثقب الإبرة.
#تمييز #وسائل_التواصل_الاجتماعي #تواصل_اجتماعي #إدراك_واقع_النساء #النساء_للنساء