المعوقات التي تواجه غير النساء المتزوجات في الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والجنسية في مصـر

Llll (1)

االدراسة الفائزة بالمركز الثالث بالمناصفة ضمن برنامج وجائزة مي جمال للبحث النسوي
من إعداد الباحثة: نيرة حشمت

مقدمة
ظهر سؤال البحث لدي بعد الضجة التي أثارتها واقعة ارتكاب طبيبة أمراض نساء وتوليد بمحافظة البحيرة – إحدى محافظات الدلتا في مصر- لواقعة تشهير وإفصاح عن تفاصيل خاصة لبعض النساء المريضات اللاتي خضعن للفحص معها في أحد المستفشيات الحكومية. أطلقت الطبيبة مقطع فيديو مصور عبر إحدى منصات وسائل التواصل الاجتماعي خلال شهر نوفمبر 2024 وصمت خلاله بعض مريضاتها بسوء الأخلاق بل ورفضها علاج إحداهن كرد فعل نابعاً من ثقافتها المجتمعية. ضجت منصات التواصل الاجتماعي على إثر تلك الواقعة ما بين التأييد والاستهجان خاصة بعد مطالبتها الرجال المصريين بوجوب إجراء تحليل DNA للتأكد من نسب أطفالهم. وقتها كتبت صديقة “فيسبوكية” شهادتها لها عن طبيبة رفضت توقيع الكشف عليها تحت مبرر أنها مجرد “بنت صغيرة” ولم يسبق لها الزواج. أنا أيضا مررت بتجربة مماثلة، حيث رفضت الطبيبة توقيع الكشف علي واكتفت بتشخيص ما وصفته من أعراض وكتابة بروتوكول علاجي دون فحص طبي ما تسبب في زيادة حدة الأعراض وتفاقم المشكلة، ومن خلال عملي في مؤسسة نسوية وانخراطي في الحراك النسوي استقبلت العديد من الشهادات واستمعت لتجارب مشابهة، لذلك شغلني سؤال التحديات التي تواجه النساء والفتيات غير المتزوجات في طلب الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية.
في البداية ظننت أني أملك إجابة واضحة عن ماهية المعوقات التي تواجه النساء عموما، وغير المتزوجات خصوصا، في الوصول لخدمات الصحة الجنسية والإنجابية، لكن خلال عملية البحث والمقابلات المعمقة وجدت أن هناك تباين واضح يرجع في الأساس إلى غياب الوعي، فضلا عن سياسات الدولة المتماشية مع الأعراف المجتمعية المنبثقة من الثقافة الأبوية. كما أظهرت نتائج البحث تأثير عوامل مثل الطبقة الاقتصادية والاجتماعية، والبعد الجغرافي، واختلاف الأعمار، في خلق تباينًا واضحًا في الحصول على الخدمات الصحية الجنسية والإنجابية.
كانت أولى معوقات البحث هي قلّة الأبحاث العربية التي تتناول هذا الموضوع أو موضوعات مشابهة. في الحقيقة، لم أجد دراسات تتناول مسألة “الكشف على نساء لم يسبق لهن الزواج”، بل وجدت موضوعات قريبة مثل الثقافة الجنسية، وكانت أغلبها باللغة الإنجليزية. وربما يعود ذلك إلى أن البعض يجد سهولة في تناول موضوعات تتعلق بالثقافة الجنسية باللغة الإنجليزية، لكونها متداولة بين أصحاب الثقافة العالية، وليس بين الغالبية الذين يرون أن كلمة “جنسية” – حتى وإن سبقتها كلمة “ثقافة” – تظل موضوعًا يُعدّ من المعيب تناوله.
لكن، وعلى الرغم من قوة الثقافة المجتمعية الرافضة لهذا الموضوع، ما زلت أرى أهمية البحث والكتابة فيه باللغة العربية، لأنها لغة الأغلبية من النساء اللاتي كُتبت عنهن هذه الأبحاث، وهن الأحق بالوصول إلى المعرفة. كما أن البحث والكتابة في هذا المجال يسهمان في تقليص الفجوة الواضحة بين الممارسة والعلم، خصوصًا أن موقف طبيبة البحيرة لم يكن استثناءً، بل هو انعكاس لواقع تغلب فيه العادات والتقاليد على العلم وأخلاقياته.
حتى بروتوكولات تعامل الأطباء والطبيبات مع طالبات الحصول على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية لا تراعي خصوصية المريضة، بل تخضع للتقاليد، إذ يُشترط وجود مرافقة مع المريضة كشرط أساسي للكشف، وذلك نتيجة لمخاوف تتعلق بادعاءات كاذبة قد تُوجَّه إلى الأطباء والطبيبات.
كان البحث في البداية لمعرفة التمييز الذي يقع على النساء والفتيات غير المتزوجات في طلب الخدمات الصحية والإنجابية، واعتمد البحث على شهادات النساء والعاملين/ات في المجال الطبي، وتحليل مواقف مقدمي الخدمة من تلك النساء، وكان انطلاقًا من أن مقدمي الخدمات يمارسون تمييزًا على النساء غير المتزوجات من التعامل غير المهني، لكن أثناء العمل على البحث وخلال المقابلات والتحليل كان هناك عامل أشد هو من يحكم العلاقات بين مقدمى الخدمة وطالبها وهو السياق الثقافي الذي يشكل وجدان الجميع، وهو صاحب التأثير القوي، لذا كان من الأفضل أن يكون عن المعوقات الثقافية ككل والتي تشكل وعينا جميعًا كمقدمي وطالبي الخدمة، وكذلك تحليل تلك المعوقات.

عن برنامج وجائزة مي جمال

أُطلقت مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة الجائزة عام 2024 لدعم الباحثات والناشطات النسويات الشابات، وتعزيز قدراتهن البحثية لإنتاج معرفةٍ نسويةٍ نقديةٍ تمتد عبر الأجيال وتوثّق لقضايا وأصوات النساء. قدم البرنامج تدريبًا أكاديميًا مكثفًا امتد لـ17 جلسة بإجمالي 36 ساعة تدريبية، وتضمن جلسات جماعية لمناقشة منهجيات البحث من منظورٍ نسوي، وجلسات إرشادية فردية لتطوير مهارات المشاركات ومتابعة أبحاثهن حتى اكتمالها. وخلال الدورة الأولى تمكنت الباحثات من إنتاج ثماني أوراق بحثية برؤيةٍ حقوقيةٍ نسويةٍ تعبّر عن وعيٍ نقديٍ متجدد.
تأتي هذه الجائزة تخليدًا لذكرى الناشطة النسوية المصرية مي جمال، التي رحلت في نوفمبر 2023، بعد مسيرةٍ حافلةٍ في الدفاع عن حقوق النساء ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، واستمرارًا لحلمها في بناء جيلٍ جديدٍ من الباحثات النسويات المؤمنات بقوة الكلمة والمعرفة في إحداث التغيير.

للاطلاع على الدراسة كاملة المعوقات التي تواجه غير المتزوجات في الحصول على الخدمات الصحية

ذات صلة