صدرت هذه الدراسة ضمن مخرجات برنامج وجائزة مي جمال للبحث النسوي
من إعداد الباحثة: شيماء مجدي
المقدمة
أدّى التوسع في برامج التمكين الاقتصادي للنساء خلال العقود الأخيرة إلى زيادة ملحوظة في معدلات مشاركتهن في سوق العمل. غير أن هذا الحضور الكمي لم يُترجم بالضرورة إلى تمكين فعلي أو سيطرة مادية مستقلة. فما زال الواقع يعكس فجوة واسعة بين المساواة القانونية والممارسة الفعلية. حيث تشارك الكثير من النساء اليوم في النشاط الاقتصادي دون أن يمتلكن الحق الكامل في إدارة دخلهن أو اتخاذ قرارات مالية تخصهن، فبدلًا من أن يكون العمل وسيلة للتحرر من التبعية الاقتصادية، قد يتحول أحيانًا إلى آلية لإعادة إنتاجها من خلال سيطرة الأسرة أو الشريك أو الأعراف الاجتماعية على موارد المرأة.
انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة البحثية إلى دراسة غياب الاستقلال المادي للنساء في مصر من منظور العنف البنيوي، بوصفه أحد أشكال السيطرة غير المباشرة التي تمارسها الهياكل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية على النساء.
تنقسم هذه الورقة البحثية إلى أربعة محاور رئيسية: يتناول المحور الأول الإطار النظري والفلسفي، موضحًا مفهوم العنف البنيوي والعنف الاقتصادي ضد النساء بوصفهما مدخلين لفهم غياب الاستقلال المادي للمرأة في السياق المصري. أما المحور الثاني فيعرض المنهجية والصعوبات البحثية، ويُخصص المحور الثالث لتحليل العلاقة بين النظام الأبوي وعمل النساء، من خلال مناقشة الجذور الفكرية والثقافية للهيمنة الذكورية وتأثيرها على مشاركة النساء الاقتصادية. بينما يركّز المحور الرابع على التعليم والأسرة. ويأتي المحور الخامس “الأسرة وعمل النساء”، ليتناول تحليل قصص واقعية تُبرز كيف تُمارَس الهيمنة على موارد النساء داخل العلاقات الأسرية.
الإطار النظري والفلسفي
يُعد العنف البنيوي شكلًا من أشكال القيود التي تؤثر على إمكانات الأفراد بسبب الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تُنتج وتعيد إنتاج أنماط اللامساواة. وهذه القيود قد تصدر عن مؤسسات الدولة عبر سياسات تمييزية، أو عن الممارسات الاجتماعية عبر معايير ثقافية إقصائية، ما يؤدي إلى حرمان فئات معينة من الوصول العادل إلى الموارد والفرص والسلطة. ويتميز هذا العنف بكونه غير مباشر، إذ لا يُمارَس عبر اعتداء مادي أو قانوني صريح، بل من خلال أنماط اجتماعية راسخة تمنع الأفراد — وفي هذه الحالة النساء — من تحقيق استقلالهم وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية (Galtung, 1990).
يندرج العنف الاقتصادي ضمن هذا الإطار، بوصفه أحد أبرز أشكال العنف البنيوي التي تتجذر في الهياكل الاجتماعية والثقافية السائدة. ويتجاوز العنف الاقتصادي كونه مجرد ممارسة فردية إلى كونه انعكاسًا لعادات وممارسات اجتماعية متوراثة عبر الزمن، تُعيد إنتاج التبعية الاقتصادية بين الجنسين (Sinha, Gupta, 2017).
ويشير العنف الاقتصادي ضد المرأة تحديدًا إلى أي فعل يهدف إلى تقييد قدرتها على الوصول إلى الموارد المالية، أو التحكم فيها، أو الاستفادة منها. ويُستخدم هذا النوع من العنف عادةً كأداة للسيطرة على النساء ومنعهن من تحقيق استقلالهن الاقتصادي. وتتخذ هذه السيطرة أشكالًا متعددة، مثل منع المرأة من التعليم أو إكمال دراستها، أو إجبارها على العمل، أو منعها من مزاولة عمل ترغب به، أو حرمانها من العمل أصلًا، أو السيطرة على أملاكها وحقها في الإرث (العجمي، 2021).
يصبح الاستقلال المادي للنساء في هذا السياق أحد أهم أدوات مقاومة هذا العنف البنيوي. غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه عوائق متجذرة في الممارسات الاجتماعية اليومية؛ مثل منع النساء من العمل، أو التحكم في دخولهن، أو الاستيلاء على ممتلكاتهن؛ وهي ممارسات تُعبِّر عن العنف البنيوي في صورته الاجتماعية غير الرسمية، بعيدًا عن سلطة الدولة المباشرة.
وتُظهر الحالة المصرية مثالًا واضحًا على هذا النمط من العنف، إذ لا تتوافر في مصر إحصاءات رسمية حول العنف الاقتصادي ضد المرأة، على الرغم من الجهود المبذولة مؤخرًا نحو تعزيز التمكين الاقتصادي للنساء وتشجيع ودعم البحث العلمي في مجال المرأة. ويرجع ذلك إلى التركيز غالبًا على أشكال العنف الأخرى، مثل الجسدي والجنسي، في حين يُعتبر العنف الاقتصادي أقل أهمية أو غير معترف به بوضوح. كما يتسم هذا الشكل من العنف بأن آثاره ليست مباشرة، ولا تبدو ظاهرة للعيان مثل الأنواع الأخرى من العنف كالعنف الجسدي مثلاً، وبالتالي فإنه يصعب الكشف عنه؛ كما يبدو أن مثل هذا الشكل من العنف يلقى قبولاً مجتمعيًا في مجتمعاتنا الشرقية، ويمتلك مبرراته الثقافية، ففي العديد من المجتمعات التقليدية، لا يزال يُنظر إلى المرأة على أنها تعتمد على الرجل اقتصاديًا، مما يعزز من قبول فكرة أن الرجل هو صاحب الحق في اتخاذ القرارات المالية. هذا الوعي الثقافي قد يساهم في تقليل الاهتمام بالعنف الاقتصادي ضد المرأة أو التقليل من خطورته. وبالتالي فإن أغلب الأشخاص سواء الممارسين لهذا الشكل من العنف أو الممارس عليهم لا يعتبرونه عنفًا أصلًا (مستريحي، 2020).
وانطلاقًا من هذا الفهم، تتناول هذه الورقة العنف البنيوي الذي تتعرض له النساء في مصر من خلال غياب استقلاليتهن المادية، لا بوصفه نتاجًا لسياسات الدولة أو لقصور تشريعي، وإنما كنتيجة لممارسات اجتماعية وثقافية تُعيد إنتاج التبعية الاقتصادية وتمنحها شرعية مجتمعية.
عن برنامج وجائزة مي جمال
أُطلقت مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة الجائزة عام 2024 لدعم الباحثات والناشطات النسويات الشابات، وتعزيز قدراتهن البحثية لإنتاج معرفةٍ نسويةٍ نقديةٍ تمتد عبر الأجيال وتوثّق لقضايا وأصوات النساء. قدم البرنامج تدريبًا أكاديميًا مكثفًا امتد لـ17 جلسة بإجمالي 36 ساعة تدريبية، وتضمن جلسات جماعية لمناقشة منهجيات البحث من منظورٍ نسوي، وجلسات إرشادية فردية لتطوير مهارات المشاركات ومتابعة أبحاثهن حتى اكتمالها. وخلال الدورة الأولى تمكنت الباحثات من إنتاج ثماني أوراق بحثية برؤيةٍ حقوقيةٍ نسويةٍ تعبّر عن وعيٍ نقديٍ متجدد.
تأتي هذه الجائزة تخليدًا لذكرى الناشطة النسوية المصرية مي جمال، التي رحلت في نوفمبر 2023، بعد مسيرةٍ حافلةٍ في الدفاع عن حقوق النساء ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، واستمرارًا لحلمها في بناء جيلٍ جديدٍ من الباحثات النسويات المؤمنات بقوة الكلمة والمعرفة في إحداث التغيير.
للاطلاع على الدراسة كاملة الاستقلال المادي للنساء في مصر (1)